مذكرات فياتورإسراء الزهدي
قد تظن، يا بني، أن رجلًا بحجم قوتي، وضخامة جسدي، ورجاحة عقلي التي أطلقها الجميع عليَّ، لم يخطئ يومًا، أو لعل خطأه كان يسيرًا...
لكنني أخطأت خطأً كبيرًا في حق نفسي، وفي حق صديق وددت لو التقيته لقاءً أخيرًا، لو كان بإمكاني معانقته، لكن الفرصة تأتي مرة واحدة.
قبل مرضي بعشرين عامًا، تعرفت على صديق لي يُدعى (إستر). في الأعوام الخمسة التي تعرفت عليه فيها، قدَّم لي الكثير. لم يقدم لي مالًا، فأنت تعلم أنني كنت من أهل الثراء، ولم يقدم لي شيئًا ملموسًا سوى كُتيب لا أتذكر اسمه الآن، وما قدمه لي كان أثمن بكثير.
نحن الرجال، كما تعلم، لا نظهر ضعفنا، ولا نخضع، ولا نرضخ تحت أي ظرف، ولا نثق مهما كانت درجة القرب. دائمًا ما نضع مسافة أمان بيننا وبين الآخرين، لكن إستر منحني الأمان، وأزال عني جميع الأقنعة، فكنت معه كالمرء مع نفسه. خلعت عني عباءة القوة والسطوة.
لم يبخل عليَّ بنصيحة قط، وقبل أن أقول له: "أحتاجك"، كنت أجده في رحابي يتساءل: هل أصابني مكروه؟ في أشد وأصعب فترات حياته، كان يترك كل شيء كي يطمئن على حالي.
قدَّم لي الكثير من الدعم، والمساعدة، والمساندة، والأمل. زادني قوة فوق قوتي.
لعلك تتساءل الآن، أو تقول في ذاتك: جميع الأصدقاء يفعلون هذا. نعم، يا عزيزي، يفعلون، ولكن ليس الجميع يمنحك الأمان. أنا برفقته ما كنت أخشى الموت، ولا أخشى شيئًا.
قبل ولوجه إلى حياتي، كنت أخشى فراقك أنت وإخوتك، وأتساءل: إلى من أترككم؟ ليس لدي سوى أخ واحد، لا أدري أيتحملكم بعد موتي أم لا. كنت أخشى الكثير من الأشياء التي ما كنت أبدا أفصح عنها، لكن إستر، بحلوله، جعلني لا أأمن شيئًا.
كلما همَّت بخاطري فكرة تخيفني، أجد الجواب بداخلي، بيقين لا يتزعزع: إستر سيتولى الأمر.
أطلت الحديث عليك، ولعلك تتساءل: أين الخطأ؟ ترى، هل كانت ثقتي في غير محلها؟
لا والله.
لكنني، بعد خمسة أعوام، سافرت بعيدًا لأسباب لا دخل لك بها، وبعد سفري انقطعت اتصالاتي بإستر. أنا قطعتها.
تمكن الخوف مني، فجعلني أبتعد عنه، وظننت أن هذا الأمر جيد لي. ظننت الكثير، لكن الحقيقة أن ظنوني كلها خابت.
فعُدت وحيدًا كالسابق، خائفًا وقلقًا طوال الوقت. لا أأمن، ولا أثق. تزعزعت قوتي، وخارت من بعده.
كان إستر لي بمثابة الجدار الذي أتكئ عليه بكامل قوتي، وكان لي بمثابة الأب الحنون الذي إذا مال، مال معه كل شيء، وإذا غاب، غابت معه الدنيا وأظلمت.
فلم تمنحني الحياة فرصة لإصلاح ما كان.
آآه يا إستر، لو تعلم كم أفتقدك وكم أشتاقك إليك يا رفيق الدرب وصديق العمر... خمسة أعوام فقط، لكن عندي بمثابة العمر بأكمله.
ما أريد إخبارك به يا بني، نصيحتي الأزلية لك أن لا تقع في نفس الخطأ.
كن في المكان الذي وجدت نفسك به مطمئنًا، لا تعبث بأحد، ولا تهتم لأحد. فكر فيك أنت أولًا.
أينما وجدت سكينتك، ووجدت سفينتك مرساها فخيِّم.

تعليقات
إرسال تعليق