بين الحقيقة والانتماء

القائمة الرئيسية

الصفحات

بين الحقيقة والانتماء

أيسر حامد

أردتُ التعاقد مع شركةٍ استثمارية لتنفيذ مشروعي، فطُرحت أمامي أسماء عدة شركات، فاخترتُ منها أبرز شركتين في السوق. تواصلتُ معهما، وعرضتُ عليهما فكرة مشروعي، واتفقنا على لقاءٍ يُحدَّد زمانه ومكانه لاحقًا.

وحين جاء موعد اللقاء، جلسنا أنا وصاحب الشركة الأولى وصاحب الشركة الثانية، فقلت لهما:

"أريد تنفيذ هذا المشروع، فاعرضا ما لديكما من رؤى وأفكار، لأختار ما أراه أصلح وأنفع."

بدأ كلٌّ منهما يشرح رؤيته، ويحاول إثبات صحة منهجه، مستندًا إلى ما يراه من أدلةٍ وحججٍ قوية. كنتُ أُنصت إليهما وأراقب ملامحهما؛ ففي البداية كانت الابتسامات حاضرة، والحديث هادئًا، لكن مع مرور الوقت اختفت الابتسامة، واشتد النقاش، وكأن الأعين تقدح شررًا.

صار كل واحدٍ منهما يعرض ما عنده، ثم ينقض ما عند الآخر، ويأتي بما يراه دليلًا قاطعًا لإسكاته. والآخر يفعل الأمر نفسه. ثم تطور الأمر إلى تضعيف الأدلة وتقويتها وفق ما يخدم موقف كل فريق، لا وفق ما تقتضيه الحقيقة.

عندها قلت لهما:

"حسبكما، كفاكما جدالًا، وأصغيا إليَّ.

إن الصراع الدائر بينكما ليس صراعًا حول حقيقة المشروع، بل هو صراعٌ ناتج عن الانتماء إلى شركتيكما. فكلاكما ينقل بعض الأدلة بصورة صحيحة، لكنه يقع ـ عمدًا أو تعصبًا ـ في تفسيرها تفسيرًا خاطئًا، خشية أن يخطئ المدير أو أعضاء الشركة الذين ينتمي إليهم.

وبذلك تُقدَّم الولاءات على الحقيقة، فتدخل الشكوك إلى الشركة نفسها، ويُنكَر ما تبنَّته سنواتٍ طويلة، فتضعف صورتها وتسقط في أعين الناس.

فما رأيكما أن تتجردا من أسماء شركاتكما وشعاراتها لمدة نصف ساعة فقط، وأن تكونا صادقين مع نفسيكما؟ ثم نعود إلى الكتاب الهندسي الاستثماري الأول، ونجعله الحكم بيننا، فنزن به جميع الأفكار والآراء."

وافق الاثنان.

ومع مرور ساعة من النقاش الهادئ، وبعد الرجوع إلى الأصول وفهم المشروع فهمًا صحيحًا، عادت الابتسامة التي غابت، وعاد الهدوء والود والضحك.

أما أنا، فقد سحبتُ مشروعي من كلتيهما.

وأما هما، فقد قدَّما استقالتيهما من شركتيهما.

ولا يزال مشروعي ينتظر المهندس الأصلح له، ذلك الذي يبحث عن الحقيقة قبل أن يبحث عن الانتصار لنفسه أو لفريقه.

أيسر حامد الحيالي|جريدة غاسق

author-img
للكِتَابةِ فِي فُؤادِي مَسكَّنٌ، كمَا الرّوحُ فِي اَلجَسَد تَسْكُنُ.

تعليقات

التنقل السريع