حين تركوني وحيدًا

القائمة الرئيسية

الصفحات

حين تركوني وحيدًا

أيسر الحيالي

المبدأ... حين تركوني وحيدًا


وهنا كانت الصدمة... تركوني وحيدًا!


لطالما كنت أؤمن أن الإنسان قد يخسر مالًا أو منصبًا أو فرصة، لكنه إذا خسر مبدأه فقد خسر نفسه. فالمبادئ ليست كلمات تُقال في أوقات الراحة، وإنما مواقف تُثبت عند الشدائد، حين يكون ثمن الصدق مرتفعًا، وثمن الصمت أقل كلفة.


ومنذ أسابيع ، عندما بدأت رحلتي الجامعية، لم أكن أعلم أنني سأمر بموقف سيغير نظرتي إلى كثير من الناس، وسيجعلني أراجع معنى الصداقة، والزمالة، والشجاعة، وحتى معنى كلمة "رجل".


دخلت الجامعة وأنا أحمل أحلامًا كبيرة، وطموحًا أكبر، رغم الظروف الصعبة التي كنت أمر بها آنذاك. لم تكن الحياة سهلة، لكنني كنت أؤمن أن التعب اليوم هو راحة الغد، وأن العلم لا يناله إلا من يصبر عليه.


تعرفت إلى زملاء كثيرين، واختلفت أسباب اقترابهم مني. فمنهم من اقترب لطيب المعشر، ومنهم من اقترب لأننا زملاء دراسة، ومنهم من اقترب لأنه وجد عندي من يساعده في فهم المحاضرات، أو يشاركه المراجعة، أو يقف معه عند الحاجة.


ومع مرور الأشهر بدأت ألاحظ أمرًا مهمًا؛ فبعض الناس لا يقتربون منك حبًا فيك، بل حبًا فيما تملكه من علم أو قدرة على مساعدتهم، فإذا انتهت مصلحتهم انتهى كل شيء، وكأن المعرفة التي كانت بينكما لم تكن يومًا موجودة.


كنت أشارك في المحاضرات باستمرار، وأناقش الأساتذة باحترام، وأطرح الأسئلة، وأحاول أن أفهم كل جزئية قبل أن أحفظها. شيئًا فشيئًا أصبحت من الطلبة المعروفين داخل القسم، وصار كثير من زملائي يرجعون إليّ عند وجود إشكال في مادة أو موضوع.


أما علاقتي بأساتذتي، فلم تكن علاقة طالب يجلس ليستمع فقط، بل كانت علاقة قائمة على الحوار والاحترام المتبادل. كنت أستمع إلى آرائهم، وأناقشهم، وأقبل النقد، وأعرض وجهة نظري بأدب، ولذلك وجدت منهم تقديرًا واحترامًا.


ولم أكن أتوقع أن هذا التقدير نفسه سيضعني بعد مدة في أصعب موقف مررت به خلال سنوات الدراسة.


كان ذلك في أحد أيام الشتاء.


السماء ملبدة بالغيوم، والمطر لا يكاد يتوقف، والبرد يملأ أروقة الكلية.


دخل الدكتور (عـ) إلى القاعة، وبعد أن بدأ الحديث، طلب من مجموعة من الطلبة أمرًا رأوه غير مناسب، بل اعتبروه ظلمًا لا مبرر له.


ساد التذمر بينهم، وبدأت الاعتراضات تتصاعد، حتى قرر عدد منهم رفع الأمر إلى الجهة الأعلى، ووصل الخبر إلى سكرتير المسؤول الأعلى في الكلية، الأستاذ (خـ).


لم تمضِ فترة طويلة حتى حضر بنفسه إلى القاعة.


دخل بهدوء، لكن ملامحه كانت تدل على أن الموضوع أصبح أكبر مما يتوقع الجميع.


قال بصوت واضح:


ـ من منكم أوصل هذا الكلام؟


وقف ما بين خمسة إلى سبعة طلبة تقريبًا، وقالوا:


ـ نحن.


نظر إليهم قليلًا، ثم قال:


ـ حسنًا... ومن يشهد لكم، على أن لا يكون منكم؟


ساد صمت ثقيل...


التفتُّ حولي، فإذا القاعة التي تضم قرابة أربعين طالبًا قد غمرها الصمت، وانخفضت الرؤوس، وكأن أحدًا لم يسمع شيئًا.


انتظرت لحظات...


ولما لم يتحرك أحد، رفعت يدي وقلت بثبات:


ـ نعم... أشهد أن كلامهم صحيح، وأن الدكتور (عـ) هو من طلب منهم ذلك.


نظر إليّ المسؤول (خـ) وقال:


ـ أنت وحدك تشهد؟


وقبل أن أجيب، بدأ بعض الطلبة يقولون بصوت خافت:


ـ نعم... نحن نؤيد ما يقوله الشاهد.


حينها شعرت بشيء من الاطمئنان، وقلت في نفسي:


الحمد لله... لن أكون وحدي.


لكنني لم أكن أعلم أن ما سيحدث بعد دقائق سيغير كل شيء، وأن الخوف قادر على أن يقلب المواقف، ويجعل الإنسان ينكر ما قاله بلسانه قبل لحظات.


كان ذلك بداية الاختبار الحقيقي...


مضت دقائق قليلة بعد خروج المسؤول (خـ)، ودخل الأستاذ (جـ) لإلقاء محاضرته، وكأن شيئًا لم يكن. حاول الجميع أن يتصرف بصورة طبيعية، لكنني كنت أشعر أن الموضوع لم ينتهِ بعد، وأن ما حدث قبل قليل ليس إلا بداية قصة لن تُنسى.


لم يكد الأستاذ (جـ) يبدأ بالشرح حتى سُمع طرقٌ على باب القاعة.


توقف عن الحديث، وقال: - تفضل.


فُتح الباب، ودخل المسؤول (خـ)، وإلى جانبه الدكتور (عـ).


في تلك اللحظة ساد القاعة صمتٌ لم أعهده من قبل، حتى إنك لو ألقيت إبرة على الأرض لسمعت صوتها.


وقف المسؤول أمام الطلبة وقال:


- الدكتور (عـ) يقول إنكم افتريتم عليه، وإنه لم يطلب منكم هذا الأمر أصلًا. فلماذا أُثيرت هذه المشكلة؟


ثم تقدم الدكتور (عـ) خطوة إلى الأمام، ونظر إلى الطلبة وقال بنبرة امتزج فيها الغضب بالثقة:


- من اتهمني زورًا وبهتانًا؟ وأين هم؟


التفتُّ يمينًا ويسارًا...


نظرت إلى الوجوه التي كانت قبل دقائق تتحدث بحرارة عن الظلم، فإذا بها الآن مطأطئة الرؤوس، لا صوت يخرج منها، وكأن الكلمات قد اختفت فجأة.


بدأ المسؤول (خـ) يستدعي الطلبة واحدًا بعد آخر.


قال لأحدهم:


- أنت... هل سمعت الدكتور يقول ذلك؟


أجاب بصوتٍ خافت:


- لا... لم أسمع.


ثم التفت إلى آخر:


- وأنت؟


قال:


- لم أسمع أيضًا.


ثم ثالث، فرابع...


وكان الجواب نفسه يتكرر:


- لم نسمع.


كنت أراقب المشهد وأنا غير مصدق.


أهؤلاء هم أنفسهم الذين اعترضوا؟!


أهؤلاء هم الذين وقفوا قبل قليل وأقروا بالحقيقة؟!


كيف يمكن للخوف أن يُبدّل المواقف في دقائق معدودة؟


رفع المسؤول صوته قليلًا وقال:


- أين الشهود الذين شهدوا قبل نصف ساعة؟ ألم تعلموا أن شهادة الزور حرام؟ ارفعوا أيديكم.


رفعت يدي دون تردد.


نظر إليّ وقال:


- أنت فقط؟


قلت:


- لا... كان معي طلبة شهدوا قبل قليل، وأنتم رأيتم ذلك.


نظر إلى القاعة وقال:


- من يشهد معه؟


ساد الصمت...


صمتٌ أثقل من الجبال.


نظرت إلى الوجوه التي كانت قبل دقائق تؤيد شهادتي، فلم أجد يدًا واحدة ترتفع.


في تلك اللحظة أدركت أنني أصبحت وحدي.


ابتسم الدكتور (عـ) ابتسامةً لم أفهم معناها، ثم قال موجّهًا حديثه إليّ:


- إذن... أنت وحدك تشهد ضدي.


ثم تابع بنبرة حادة:


- أنت لديك مصلحة في هذا الموضوع، وأنت الذي تثير الفتن.


نظرت إليه بثبات، وقلت:


- ليست لي أي مصلحة، بل حتى أغلب أسماء الطلبة لا أعرفها بعد، لأننا ما زلنا في بداية السنة الدراسية، ولم يمضِ على وجودنا في الجامعة سوى وقت قصير.


قال باستهزاء:


- عجيب! يعني أنت وحدك لديك أذنان تسمعان، وعينان تريان، وأما هؤلاء الأربعون طالبًا فكلهم صمٌّ وعمي؟


قلت بهدوء:


- لا... لكنهم يخافون على مستقبلهم، ويخشون أن يؤثر ذلك عليهم.


ساد الصمت من جديد.


ثم تدخل الأستاذ (جـ)، الذي كان حتى تلك اللحظة يراقب الحوار بصمت، وقال لي بلطف:


- يا بُني... ربما فهمت الأمر بصورة غير صحيحة، أو لعلّك التبس عليك الكلام. أنهِ الموضوع، ولا تُحمّل نفسك ما لا طاقة لك به، فأصحاب الشأن أنفسهم قد سكتوا.


نظرت إليه، ثم قلت بكل هدوء:


- أأتراجع الآن... لأقف أمامكم كاذبًا؟


لم يكن سؤالي موجهًا إلى الأستاذ وحده، بل كان موجّهًا إلى نفسي أيضًا.


فقد كنت أعلم أن كلمة واحدة مني كفيلة بأن تُنهي المشكلة كلها، وأن أخرج منها مرتاحًا، لكنني كنت أعلم أيضًا أن تلك الكلمة ستكون أول تنازل عن مبدأ آمنت به.


لذلك قلت بوضوح:


- لا... أنا مصرّ على شهادتي، والدكتور (عـ) طلب منهم ذلك، 

لن أقول إلا ما رأيته بعيني وسمعته بأذني.


نظر المسؤول (خـ) إلى الجميع، ثم قال باختصار:


- انتهى... هيا بنا.


استدار وغادر القاعة، ولحق به الدكتور (عـ).


لكن قبل أن يخرج، التفت إليّ بنظرةٍ حادة، كانت تحمل من الغضب أكثر مما حملته الكلمات.


لم يقل شيئًا...



وساد الصمت للحظات، ثم أغلق الأستاذ (جـ) الباب، ونظر إلى الطلبة، وقال بصوتٍ امتزج فيه العتاب بالاستغراب:


- يا أبنائي... لماذا تركتم زميلكم وحده؟


لم يجب أحد.


كرر السؤال مرة أخرى:


- أين الطلبة الذين كانوا يعترضون قبل قليل؟ وأين الذين قالوا إن الدكتور طلب منهم ذلك؟


بدأ بعضهم ينظر إلى الآخر، وكأن الجميع ينتظر من يتكلم أولًا.


ثم قال أحدهم بصوت خافت:


- والله يا أستاذ... خفنا.


وقال آخر:


- خشينا أن يؤثر ذلك على مستقبلنا، أو أن ينقلنا من القسم، أو يرسبنا.


وأضاف ثالث:


- قلنا مادام الموضوع وصل إلى المسؤول الأعلى، فلا داعي لأن نستمر بالكلام، حتى لا يحمل الدكتور علينا.


هز الأستاذ (جـ) رأسه بحزن، ثم قال:


- لكنكم تركتم زميلكم وحده في هذا الموقف!


ساد الصمت من جديد.


ثم التفتوا جميعًا نحوي، وقال أحدهم:


- لماذا أعدت الشهادة؟ كان بإمكانك أن تسكت مثلنا، وينتهي كل شيء.


ابتسمت ابتسامةً لم تكن تعني الفرح، بل كانت تحمل شيئًا من الأسى، ثم قلت:


- أتطلبون مني أن أخفي الحقيقة التي رأيتها بعيني وسمعتها بأذني؟ أتريدونني أن أكون كاذبًا حتى أحمي نفسي؟


توقفت لحظة، ثم أكملت:


- نحن طلبة جامعة، ومن المفترض أن نتعلم كيف نبحث عن الحقيقة، لا كيف نهرب منها. فإذا كنا نعجز عن قول كلمة حق في موقف كهذا، فكيف سنحمل مسؤولياتنا في المستقبل؟


ثم نظرت إليهم واحدًا واحدًا، وقلت:


- قد أخسر سنة دراسية، وقد أخسر رضا أستاذ، لكنني لا أريد أن أخسر احترامي لنفسي. الكلمة مسؤولية، ومن لا يحفظ كلمته، لا يحفظه الناس.


ساد القاعة هدوء عميق.


عندها نظر إليّ الأستاذ (جـ)، وقال أمام الجميع:


- أحييك يا بطل... لقد تصرفت بشجاعة، وما قلته نابع من تربية طيبة وأخلاق عالية. بارك الله فيك، وخيرًا فعلت حين تمسكت بما تعتقد أنه الحق.


كانت كلماته بلسمًا خفف شيئًا مما شعرت به، لكنها لم تُنهِ ما كان يدور في داخلي.


انتهت المحاضرة، وبينما كنت أجمع كتبي، قال لي الأستاذ (جـ): - تعال يا بُني... امشِ معي.


خرجنا إلى ممر الكلية، وسرنا خطوات في صمت، ثم التفت إليّ وقال:


- هيا بنا.


قلت:


- إلى أين يا أستاذ؟


قال:


- سنذهب إلى الدكتور (عـ)، وتعتذر منه، حتى لا يبقى في نفسه شيء عليك. فما زالت السنة الدراسية في بدايتها، ولا أريد أن تدخل معه في خلاف قد ينعكس عليك فيما بعد.


توقفت في مكاني، ونظرت إليه متعجبًا.


قلت:- أعتذر؟! وعلى ماذا أعتذر؟


قال بهدوء:- نحن نعلم الحقيقة، وربما المسؤول يعلمها أيضًا، لكن الاعتذار سيغلق باب المشكلة، ويجنبك أي ضغوط مستقبلية.


قلت: - وكيف أعتذر وأنا لم أخطئ؟ وكيف أعتذر لمن اتهمني بالكذب، وأنا لم أقل إلا ما رأيته بعيني وسمعته بأذني؟ إذا اعتذرت اليوم، فسأكون قد اعترفت ضمنًا بأنني كنت مخطئًا، وهذا ما لا أقبله.


ظل الأستاذ ينصحني، لكنني كنت قد حسمت أمري.


قلت له بكل احترام: - سامحني يا أستاذ... لن أعتذر، ولن أتراجع عن موقفي.


ابتسم ابتسامةً خفيفة، وكأنه أدرك أن قراري لن يتغير، ثم قال: - وفقك الله يا بُني.


مضيت إلى محاضرتي التالية، لكنني كنت أفكر طوال الطريق: ماذا سيحدث بعد اليوم؟ هل سيؤثر هذا الموقف على دراستي؟ هل سأتعرض للظلم؟ هل أخطأت حين تمسكت بالحقيقة؟


كانت الأسئلة كثيرة...


لكن وسط ذلك القلق، شعرت بسكينة غريبة تسري في قلبي، وكأن الله سبحانه وتعالى يطمئنني بأن من تمسك بالحق لا يضيعه الله.


عندها أيقنت أن الإنسان إذا أرضى ضميره، هان عليه كل ما سواه.


ومنذ ذلك اليوم، تغيّرت نظرتي إلى كثير من الناس.


أدركت أن الصداقة لا تُقاس بكثرة الجالسين حولك، ولا بعدد من يبتسمون في وجهك، وإنما تُقاس بمن يبقى معك حين تصبح الكلفة عالية.


وعرفت أن صاحب المصلحة قد يقترب منك ما دامت حاجته عندك، فإذا انتهت مصلحته، تركك تواجه الموقف وحدك.


ولم أحمل في قلبي ضغينة على أحد ممن سكتوا، فأنا أدرك أن الخوف يضعف بعض النفوس، لكنني في الوقت نفسه أدركت أن المبدأ لا قيمة له إن كنا سنتمسك به في الأوقات السهلة فقط.


ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أردد بيني وبين نفسي:


قد تخسر أشخاصًا لأنك تمسكت بالحق، لكنك ستربح نفسك، وربح النفس أعظم من كل مكسب.


وما زلت، إلى اليوم، أؤمن أن الله لا يخذل من صدق في قوله، وثبت على مبدئه، ولم يبع الحقيقة خوفًا من أحد.


فالمبدأ ليس شعارًا يُكتب، بل موقفٌ يُعاش... ولو وجدت نفسك فيه وحيدًا.

أيسر الحيالي|جريدة غاسق

author-img
للكِتَابةِ فِي فُؤادِي مَسكَّنٌ، كمَا الرّوحُ فِي اَلجَسَد تَسْكُنُ.

تعليقات

التنقل السريع