آخرُ العطاء
عبيرالبلوله محمد
عزيزي القارئ،
سأخبرك من أنا، من بين ألف وجهٍ يشبهني، لكن لا أحد يلتفت إليه.
أنا ذلك العجوز الذي تجاوز السبعين، الذي انكمش عالمه حتى صار أربعة جدران، وكرسيًّا ينتظر أن يُنقل من مكانه، ونافذةً يراقب منها الحياة وهي تمضي دونه.
أعيش بينهم، لكنني لا أشاركهم الحياة، أسمع ضحكاتهم من خلف الأبواب، وأعرف من خطواتهم من عاد ومن خرج، وأحفظ مواعيد انشغالهم أكثر مما يحفظون مواعيد حاجتي إليهم.
أحيانًا أتحدث كثيرًا في رأسي، ثم أبتلع الكلام؛ ليس لأنني لا أملك ما أقوله، بل لأنني تعلّمت أن بعض الأحاديث لا تجد من ينتظر نهايتها.
كنتُ يومًا أملًا حين يضيق بهم الطريق، وظهرًا حين تثقل عليهم الدنيا، ويدًا تمتد إليهم قبل أن يطلبوا.
أما الآن، فأنا ذلك العمر الذي لا يعرفون ماذا يفعلون به.
لا يؤلمني أن أضعف...
يؤلمني أن أُعامل كأنني لم أكن قويًا يومًا.
لا يؤلمني أن أحتاج... يؤلمني أن يجعلني احتياجي أعتذر عن وجودي.
وأنت يا صاحب العشرين عامًا، لا تستعجل الحياة؛ فما تراه اليوم ضعفًا في جسد غيرك، قد يكون غدًا صورتك في مرآة الزمن.
ستكبر، وستفهم أن الإنسان لا يخاف من أن يشيخ بقدر ما يخاف أن يشيخ ولا يبقى في قلب أحد مكانٌ له، فإذا وجدتَ شيخًا أطال الصمت، فاجلس إلى جواره، لا تسأله عن عمره، ولا عن وجعه... فقط اجلس.
فبعض الذين أفناهم العطاء لا يريدون شيئًا من الدنيا في آخر الطريق، يريدون فقط أن يشعروا أن كل السنوات التي منحوها لم تذهب هباءً.
لأن أقسى نهاية يمكن أن يصل إليها الإنسان ليست أن يموت وحيدًا... بل أن يعيش طويلًا، ثم يكتشف أنه أصبح حيًّا في ذاكرة نفسه، وميتًا في ذاكرة الآخرين.

تعليقات
إرسال تعليق